أكاذيب الأطباء والمرضى | الدواء العربي

أكاذيب الأطباء والمرضى

العلاقة* بين الطبيب والمريض يفترض بها أن تكون مثالاً للتشارك من أجل مصلحة المريض، حيث يتم تبادل المعلومات بصراحة وصدق .. ورغم أن هذا هو المُفترض؛ لكن الواقع غير ذالك، فالخداع بين الأطباء والمرضى ـ من الطرفين ـ منتشر جداً.

أكاذيب الأطباء والمرضى - د. سانديب جوهر، طبيب قلب أمريكي


وكلمة "الخداع" قد تعد مبالغة بشكل ما، لكن الحقيقة أنها أكثر كلمة معبرة عن ما أريد الحديث عنه، فالخداع موجود فعلاً بين الأطباء والمرضى في الإتجاهين وهي حقيقة لا يمكن إنكارها.

ذات مرة كانت لدي مريضة شابة تدعي أنها تعاني من اضطراب نادر في الدم قد يسبب لها جلطات بالقلب في أي وقت، وقالت لي أنها أجرت الكثير من الجراحات في أنحاء متفرقة من جسدها، ودعمت روايتها بآثار ندوب في جسمها. صدقتها بالطبع لأنه لا يجب افتراض الكذب بالمريض، لكن جدتها اتصلت بي لتقول أن حفيدتها تعاني من متلازمة مانشهاوزن النادرة التي تجعل المريض يشوه جسمه كي يستجلب العطف من الآخرين ويدعي أنه جريح أو مريض، بل أنها على استعداد تام أن تخضع لجراحة حقيقية مؤلمة لو لزم الأمر كي تثبت أنها مريضة فعلاً، لكنها ببساطة كانت تخدعني.


وأحياناً لا يأتي الخداع من المرضى، لكن من الأطباء، لكن الطبيب لا يخدع المريض قاصداً ذالك، فأحياناً نطلب ـ نحن الأطباء ـ من المرضى القيام باختبارات طبية وتحاليل غير ضرورية إطلاقاً فقط من أجل زيادة التأكد أو ـ أحياناً ـ من أجل الربح المادي. وأحياناً نطلب المزيد من الإختبارات والتحاليل والتفاصيل فقط من أجل أن نعطي قيمة لما نفعله أمام المريض، وأفضل مثال على ذالك هو الدواء الوهمي الذي يضطر الطبيب أحياناً أن يصفه للمريض كي يشعر المريض أنه يتعاطي دواءً بالفعل بينما هي مجرد فيتامينات غير ضارة ولا مفيدة.

لكن أكبر أنواع الخداع التي نقوم بها نحن الأطباء هو ذالك الخداع الذي نمارسه على أنفسنا، فنحن نخدع أنفسنا كثيراً في تشخيص المرض، ندعي أنه غير موجود ونبدأ في علاج الأعراض متجاهلين المرض نفسه، نقوم بالمزيد والمزيد من الإختبارات كي نبحث عن ثغرة ننفي منها وجود المرض، لا أقصد بذالك المرض الذي يعانيه منه المريض .. لكن المرض الذي تعاني منه مهنتنا، فنحن على قناعة تامة أن مهنتنا لا تعاني من أي مشاكل تقنية نابعة من أنفسنا، ونحاول أن ننفي أي قصور مننا، نحاول أن نتهرب من المرض الذي يكاد يفتك بجسم مهنة الطب، إننا نخدع أنفسنا.

ذات مرة قمت بخداع نفسي كطبيب بشكل كبير، فقد كانت لدي مريضة اقترب عمرها من التسعين عاماً، كانت سيدة فاضلة وخفيفة الظل ومقبلة على الحياة، كنت أجلس معها للدردشة أوقاتاً طويلة، في الواقع كانت من أقرب المريضات إلى قلبي. لكني صُدمت يوماً ما عندما علمت أنها محجوزة في غرفة الرعاية المركزة بأنبوب تنفس مثبت إلى رئتيها وتعاني من فشل في أعضاء متعددة من جسدها.

ذهبت إلى غرفتها لزيارتها، كانت مخدرة وجسدها يتنفس عن طريق جهاز التنفس الصناعي، فوجئت بلون بشرتها المتغير فأيقنت أن كبدها يعاني من مراحل فشل متأخرة، كانت أيضاً قد توقفت عن التبول نتيجةً لفشل الكليتين.

في اليوم التالي ذهبت لرؤية الطبيب المعالج، وهو زميل في أواخر الأربعينات يتميز بعقلية عملية جيدة، طلبت منه أن يقوم بغسيل كلى لها كي تستريح قليلاً من آلام فشل الكليتين وانحباس البول، لكنه رفض قائلاً أنها تعاني من شيخوخة متأخرة ولن تفيدها أي إجراءات طبية، حاولت الضغط عليه لكنه رفض، لقد كان هو على حق .. وأنا كنت مندفعاً تحت تأثير مشاعري .. لقد كنت أخدع نفسي.

بعدها بيومين قررت أن أنقلها إلى القسم الذي أعمل به كي أستطيع رعايتها بنفسي، قمت بفصلها عن أجهزتها ونقلها إلى غرفة الرعاية المركزة القلبية التي أعمل بها، لكن عملي هذا كان خطئاً على كل المقاييس، فهي لم تتحمل حتى مدة الفصل البسيطة عن جهاز التنفس الصناعي ريثما تنتقل من قسم الرعاية المركزة إلى الرعاية المركزة القلبية، تدهورت حالتها وكانت على وشك الموت.

أجريت لها فحص دم عدة مرات في نفس اليوم وأوصلت لها قسطرة رئوية لمراقبة حركية الدم، وأجريت غسيل كلى أكثر من مرة، لكن في النهاية فشلت كل الجهود وماتت بعد أسبوع من نقلها إلى رعايتي .. كانت في التاسعة والثمانين من عمرها.

لقد كنت أمارس نوعاً من الخداع الذي يقوم به الأطباء عادةً، خداع الأمل، حاولت أن أقنع نفسي أن هناك أمل وأنه يمكنني إنقاذها، كنت خائفاً من الفشل. لقد مارست الخداع على نفسي كأحد أنواع الخداع التي يقوم بها الأطباء عادةً.

الخلاصة أن العلاقة بين الطبيب والمريض ليست جنة وارفة، بل كثيراً ما يكون فيها خداع كبير من أحد الجانبين، وتختلف أنواع هذا الخداع.

*مترجم بتصرف مناسب عن النص الأصلي
الكاتب : سانديب جوهر، طبيب قلب أمريكي
المترجم : آية عماد، صيدلانية مصرية