الحروق: تجارب وآلام وتحديات

الحروق هي أكثر الإصابات ألماً على الإطلاق، ببساطة لا توجد إصابة مؤلمة أكثر من إصابات الحروق، إن الذين يعملون في مجال العناية بالحروق يعانون كثيراً من أصوات أنّات المرضى وتوجعاتهم، والأشكال الصعبة للحروق خاصةً حروق الوجه وحروق المناطق الحساسة. وعلى الرغم من التقدم الهائل في مجال العناية بالحروق وتخفيف آلامها؛ إلا أنه ـ للمفارقة ـ علاج الحروق قد يسبب ألماً أكثر من الحرق نفسه نتيجة تعرض مكان الحرق لعمليات التنظيف والتعقيم والمضادات الحيوية !

عندما توليت منصبي في قسم استقبال الحروق كنت أتألم بشدة من الأصوات المذهلة لآلام المرضى الذين يتلقون العلاج، لكن زملائي الأقدم مني أخبروني أن تلك الآلام حتمية ولا مفر منها، لأن العلاج يسبب الألم والمسكنات لا تصلح، وإذا استخدمنا مسكنات قوية مثل المورفين فإن المريض قد يعتاد جسمه عليها ويصاب بالإدمان، لا مفر من الألم
ممرضة في قسم استقبال الحروق

كل المصابين بالحروق يعانون بشدة بغض النظر عن مكان أو مستوى الحرق، هذا ما نؤمن به ونتعامل على أساسه، مصاب الحرق يشعر عادةً بآلام لم يشعر بها من قبل في حياته.  التقدم الطبي الكبير في مجال علاج الحروق نجح جزئياً في تقليل الوفيات بسبب الحروق لكن حتى الآن لا توجد آلية أكيدة لتخفيف آلام الحرق عن المريض.


طبقاً لإحصائيات الجمعية الأمريكية للحروق فإن حوالي نصف مليون إنسان يتلقون علاجاً من الحروق سنوياً من أصل 11 مليون إصابة حرق، أي أن 10.5 مليون مصاب حرق لا يتلقون علاجاً على الإطلاق عند تعرضهم للحرق.  هناك عقبات كثيرة تقف أمام تقديم العلاج لكل مرضى الحروق حول العالم منها عدم توافر تأمين صحي، ونقص الإعدادات بالمستشفيات ونقص التمويل في البلاد الفقيرة. علاج الحروق يحتاج وقتاً طويلاً وعمليات طبية معقدة تبدأ من الاستقبال والمسكنات الموضعية وقد لا تنتهي بعمليات التجميل، الكثيرون لا يتحملون نفقة علاج الحروق، وللأسف فإن هؤلاء الذين لا يستطيعون تحمل النفقات هم الأكثر عرضةً للإصابة.

الحروق: تجارب وآلام وتحديات
زبيدة بعد عمليات التجميل
الفقراء يعانون أكثر !

مثلاً؛ كان مايكل جراي هو أحد أعضاء بعثة الإغاثة الأمريكية في أفغانستان يعمل في مكتبه عندما جاء إلى مكتبه أب مكلوم ومعه ابنته التي انصهر وجهها من أثر الحريق، كانت الحالة صعبة فعلاً حيث أن الفتاة فقدت رقبتها تماماً والتصق وجهها بصدرها بعد أن أصيب في حريق عرضي أدى لإصابتها بهذا التشوه المريع، لم يستطع مايكل أن يغض النظر عن حالة الفتاة التي كانت تعاني معاناة شديدة من أثر نظرة الناس حولها لها، فقد كانت زبيدة، وهذا هو اسمها، مشوهة تماماً [نعتذر عن عرض صورتها قبل جراحات التجميل نظراً لصعوبتها].

اتصل مايكل بالدكتور بيتر جروسمان الذي يدير مركزاً لعلاج الحروق في الولايات المتحدة، واتصلت ريبيكا (زوجة مايكل) بإحدى الجمعيات الخيرية لتغطية نفقات العلاج، وانتقلت زبيدة إلى الولايات المتحدة، وبعد عمليات كثيرة ومعقدة استطاعت زبيدة أن تضع قرطاً (حلق أذن) في أذنيها، لقد كان هذا حلماً بالنسبة لها.

استطاعت زبيدة أن تتخطى آلام الحرق بمعجزة إلهية ومساعدة من رجال أفاضل، لكن المشكلة تكمن في أن هناك الآلاف من الفقراء المعرضون للإصابات العرضة بالحروق في كل مكان في العالم، ولا يتسنى للجميع توفر فرصة للعلاج في الولايات المتحدة، إنها الحقيقة المرة: الفئة الأكثر تعرضاً للإصابة بالحروق هي الفئة التي لا تستطيع الحصول على علاج.

البشر يحرقون بعضهم !

قد يمكن تصور أن يصاب الإنسان بحرق عرضي، لكن ما لا يمكننا تصوره هو أن البشر يحرقون بعضهم بعضاً بشكل متعمد !. هذا يحدث بالفعل وهو عادة مستمرة للبشر في الحروب وحتى في أوقات السلم أحياناً. الأطباء والممرضون الذين يعملون في المستشفيات الميدانية يشاهدون أهوالاً ناتجة من القصف الحربي.


للبشر تاريخ حافل في حرق بعضهم البعض، فقد كان الإعدام حرقاً فعل شائع في أوروبا القرون الوسطى وعقاب يتلقاه المهرطقون والمتهمون بالسِحر، ورغم التقدم العلمي وتطور التكنولوجيا؛ لم يتوقف الحرق.

لقد حاول النازيون في بدايات القرن الماضي أن يجدوا طريقة أسرع لقتل اليهود، فحاولوا مثلاً أن يقتلوا أكثر من يهودي برصاصة واحدة لكن التجربة لم تنجح، وحاولوا أن يجمعوهم في مكان ويقذفوا عليهم قنبلة لكن هذا لم ينجح أيضاً لأن القنبلة تؤدي للإصابة لا للقتل، وفي النهاية اهتدوا إلى الطريق الأكثر ألماً وأشد فتكاً، الحرق. تم اقتياد ملايين من اليهود إلى المحارق أحياءً، والمحظوظين منهم هم الذين تم إعدامهم قبل حرقهم.

وحتى العصابات المسلحة اتخذت الحرق أسلوباً للتهديد والتخويف، فقد قامت مجموعة مسلحة تسمي نفسها "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، قامت مؤخراً بحرق أسير أردني حي، وشاهده العالم كله وهو يحترق، كنا نعتقد أنها عادة بدائية لكن يبدو أن هذا الكوكب لا يعرف المستحيل.

المثير في الأمر، لو كان فيه إثارة، هو أن نسبة كبيرة من الذين يموتون نتيجة الحروق تكون وفاتهم نتيجة "الاختناق" بالغازات، عند التعرض لحرق شديد في مكان مغلق ووسط مواد قابلة للإشتعال فإن الإختناق بالدخان يكون عادةً السبب الأسرع للوفاة، وإذا لم يحدث فإن التضرر الشديد الذي يصيب الأعضاء الحيوية يودي بالحياة.

وفي كُلٍ ألم !

تتنوع أسباب الحريق ما بين إصابة عرضية وإصابة متعمدة وإصابة حربية، وسواءً أكان حريق كهربي أوكيميائي أو حتى حرق ثلج ، فإن العامل المشترك بينها جميعاً هو الألم الشديد وصعوبة العلاج، دعونا نفكر في الملايين حول العالم الذين يعانون من آلام الحرق بدون توافر وسائل أمان قبل الحريق ولا علاج بعده، والبشر الذين يحرقون بعضهم بعضاً، والحروب التي تحرق الجلد والأرض، وليقف العالم أمام تحدياته وجهاً لوجه.

اقرأ أيضاً:

الكذب بين الأطباء والمرضى [مترجم]